
من مدينة موحسن على ضفاف الفرات في ريف دير الزور، انطلقت رحلة الشاب السوري فراس اليونس، حاملاً معه أحلامه وطموحاته رغم الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب واللجوء. واليوم، تمثل قصته نموذجاً ملهماً للإرادة والعمل والاجتهاد، بعد أن استطاع أن يشق طريقه نحو النجاح الأكاديمي والمهني في ألمانيا، وأن يكون مثالاً للشباب السوري الطامح إلى بناء مستقبله بالعلم والمعرفة.
وصل فراس إلى ألمانيا أواخر عام 2014 عبر طريق البلقان، حاملاً معه أحلامه وطموحاته التي لم تتمكن الحرب في سوريا من إخمادها. وكان قد بدأ دراسته في كلية هندسة البتروكيميائيات بجامعة الفرات في دير الزور، تخصص هندسة البترول، إلا أن الظروف التي مرت بها سوريا حالت دون إكمال دراسته الجامعية.
وقبل مغادرته سوريا، شارك في العمل الإنساني متطوعاً ضمن حملات مكافحة شلل الأطفال في محافظة دير الزور بالتعاون مع منظمة الهلال الأحمر القطري، في تجربة مبكرة عكست حسه الإنساني ورغبته في خدمة مجتمعه.
عند وصوله إلى ألمانيا، أدرك فراس أن اللغة هي المفتاح الأول للنجاح والاندماج. لذلك كرّس جهوده لتعلم اللغة الألمانية، وتمكن خلال فترة قصيرة من تحقيق إنجاز لافت بحصوله على شهادة المستوى C1 في اللغة الألمانية في أبريل 2016، ثم اجتياز اختبار TestDaF بنجاح في يوليو من العام نفسه. وقد أثارت سرعة تعلمه للغة وإصراره على التفوق اهتمام وسائل الإعلام، حيث أعدت قناة “Alan TV” تقريراً خاصاً حول تجربته الملهمة في تعلم الألمانية.
وفي أكتوبر 2016 حصل فراس على مقعد دراسي في تخصص الهندسة الاقتصادية في جامعة العلوم التطبيقية والتقنية في برلين (HTW Berlin)، ليبدأ مرحلة جديدة من مسيرته الأكاديمية. وخلال دراسته، نال منحة دراسية من مؤسسة هانس بوكلر التابعة للاتحاد الألماني للنقابات العمالية، وهي من أبرز المؤسسات الداعمة للطلاب المتفوقين في ألمانيا، حيث وفرت له دعماً أكاديمياً ومادياً حتى نهاية دراسته.
وبفضل اجتهاده ومثابرته، أنهى فراس دراسة البكالوريوس في الهندسة الاقتصادية بنجاح في مارس 2020، قبل أن يحصل مباشرة على مقعد في برنامج الماجستير في الهندسة الاقتصادية والهندسة الميكانيكية في برلين، ليواصل تطوير خبراته العلمية والمهنية.
ولم تقتصر مسيرة فراس على الدراسة الجامعية فقط، بل كان حاضراً بقوة في الأنشطة الثقافية والاجتماعية. فقد شارك في عدد من المشاريع الفنية والمجتمعية في العاصمة الألمانية برلين، من بينها مشروع “Storytelling Arena” ومشروع “بيت الحكايات السورية”، حيث قدم قصصاً وتجارب إنسانية باللغة الألمانية على مسارح مختلفة في أنحاء ألمانيا، مساهماً في بناء جسور التواصل بين المجتمعين السوري والألماني.
كما عمل مترجماً لدى مكتب رعاية الشباب في برلين، وساهم في مساعدة العديد من العائلات واليافعين من أصول مهاجرة على تجاوز التحديات اللغوية والإدارية، مستفيداً من تجربته الشخصية في الاندماج.
وخلال فترة دراسته الجامعية، اكتسب خبرة مهنية مهمة من خلال عمله كطالب موظف لدى اتحاد غرف الصناعة والتجارة الألمانية في برلين، ما أتاح له الاطلاع المباشر على بيئة الأعمال والاقتصاد في ألمانيا.
وعن بداياته في ألمانيا يقول فراس: «كانت السنوات الأولى صعبة إلى حد ما، لكنني كنت مقتنعاً بأن بداية كل رحلة تكون مليئة بالتحديات، وأن الإنسان يستطيع الوصول إلى هدفه إذا لم يستسلم لليأس أو الإحباط».
ويحرص فراس دائماً على توجيه رسالة للشباب السوريين، يؤكد فيها أهمية استثمار الفرص المتاحة وعدم التردد في السعي نحو تحقيق الأهداف، مهما بدت الطريق طويلة أو صعبة.
إن قصة فراس اليونس، ابن مدينة موحسن في دير الزور، تمثل نموذجاً مشرفاً للشباب السوري الذي استطاع أن يحول تجربة اللجوء إلى قصة نجاح، وأن يثبت أن الإرادة والعلم والعمل الجاد قادرة على فتح أبواب المستقبل مهما كانت التحديات.
نتمنى لفراس اليونس دوام التوفيق والنجاح في مسيرته العلمية والمهنية، وأن يبقى مثالاً مشرفاً لأبناء دير الزور وسوريا في مختلف أنحاء العالم
