
في إنجاز علمي جديد يضاف إلى رصيد الكفاءات السورية في الخارج، قدمت الباحثة السورية صوفيا بجعة، طالبة الدكتوراه في علم النفس بجامعة Constructor University الألمانية، دراسة علمية واعدة حول علاج الانتقائية الشديدة في الطعام لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد.
وتُعد مشكلة الانتقائية الغذائية من أكثر التحديات التي تواجه الأطفال المصابين بالتوحد وأسرهم، إذ يرفض كثير منهم تناول أنواع متعددة من الأطعمة، ما قد يؤدي إلى مشكلات صحية وتغذوية تؤثر على نموهم وجودة حياتهم. ومن هذا المنطلق، سعت الباحثة السورية إلى تطوير نموذج علاجي جديد يهدف إلى معالجة هذه المشكلة بطريقة أكثر شمولاً وفاعلية.
وطورت صوفيا، المنحدرة من محافظة دير الزور، برنامجاً علاجياً مبتكراً يحمل اسم “Schmetterling NBI”، يعتمد على دمج الأساليب السلوكية مع التدخلات الحسية، مع إشراك الوالدين كشركاء أساسيين في العملية العلاجية، بما يعزز فرص نجاح العلاج واستمرارية نتائجه داخل البيئة الأسرية.
وأظهرت نتائج الدراسة، التي استمرت عشرة أسابيع، مؤشرات إيجابية لافتة، حيث سجل الأطفال المشاركون تحسناً ملحوظاً في تقبل الأطعمة الجديدة، وانخفاضاً كبيراً في السلوكيات السلبية المرتبطة بوقت تناول الطعام. كما أظهرت النتائج تحسناً صحياً في الوزن لدى عدد من الأطفال، مع استمرار الآثار الإيجابية للبرنامج حتى بعد انتهاء فترة التطبيق.
ولم تتوقف النتائج عند الجانب الغذائي فقط، بل أشارت الدراسة أيضاً إلى وجود مؤشرات على انخفاض شدة بعض أعراض اضطراب طيف التوحد لدى الأطفال المشاركين، وهو ما يفتح الباب أمام آفاق جديدة لتطوير برامج علاجية أكثر تكاملاً تستهدف الجوانب السلوكية والحسية والغذائية في آن واحد.
ورغم أن الدراسة أُجريت على عينة محدودة من الأطفال، فإن نتائجها الأولية تُعد مشجعة من الناحية العلمية، وتدعو إلى إجراء دراسات أوسع تشمل أعداداً أكبر من المشاركين للتحقق من فعالية هذا النموذج العلاجي وإمكانية اعتماده على نطاق أوسع في المستقبل.
ويُذكر أن الباحثة صوفيا بجعة بدأت العمل على تطوير هذا البرنامج خلال مرحلة دراستها للماجستير، قبل أن تواصل تطويره واختباره علمياً خلال دراستها الحالية للدكتوراه في ألمانيا، في مسيرة بحثية تعكس الجدية والإصرار على تقديم حلول عملية لمشكلات تواجه آلاف الأطفال والأسر حول العالم.
ويشكل هذا الإنجاز مثالاً جديداً على الحضور العلمي المتنامي للباحثين السوريين في الجامعات ومراكز الأبحاث الأوروبية، كما يؤكد قدرة الكفاءات السورية على الإسهام في تطوير العلوم النفسية والسلوكية وتقديم مبادرات بحثية ذات أثر إنساني ومجتمعي واسع.
وتبقى مثل هذه النجاحات مصدر فخر وإلهام للأجيال الشابة، ورسالة واضحة بأن الاستثمار في العلم والمعرفة قادر على إحداث فرق حقيقي في حياة الأفراد والمجتمعات
