
تُعد عشيرة البوخابور من أشهر عشائر قبيلة العقيدات في محافظة دير الزور، وترتبط بتاريخ مدينة موحسن ارتباطاً وثيقاً حتى أصبح اسم العشيرة واسم المدينة متلازمين في الذاكرة الشعبية لأبناء المنطقة. وتُعرف البوخابور بين عشائر العقيدات بأنها من عشائر الخمس، كما تُنسب إليها في المرويات العشائرية مكانة حمل بيرق العقيدات في عدد من المراحل التاريخية.
البوخابور والعقيدات
استقرت البوخابور منذ أجيال طويلة في منطقة الفرات الأوسط، ولا سيما في موحسن والمريعية والبوعمر وبعض القرى المجاورة وقبلها على نهر الخابور مع باقي عشائر العقيدات . وتظهر السجلات العثمانية المتداولة أسماء البوخابور ضمن عشائر العقيدات المقيمة في هذه المناطق منذ القرن التاسع عشر على الأقل.
وقد شاركت العشيرة في مختلف الأحداث التي مرت على دير الزور، وكانت جزءاً من البنية الاجتماعية والسياسية والعسكرية للعقيدات، وبرز منها فرسان ووجهاء وعوارف وقادة محليون كان لهم دور في حل النزاعات والدفاع عن المنطقة.
البوخابور والخمس
في التقسيم التقليدي للعقيدات ينتمي البوخابور إلى الخمس، وهو القسم الأكبر من القبيلة تاريخياً. وقد كان للخمس دور بارز في النخوة والنفير والاجتماعات القبلية الكبرى، وكانت البوخابور من أكثر عشائره عدداً وتأثيراً.
البيرق ومكانة البوخابور
تتناقل الروايات العشائرية أن عشيرة البوخابور كانوا من حملة بيرق العقيدات، وأن رايتهم كانت تتقدم الصفوف في كثير من المواقف القبلية. وكان حمل البيرق يُعد رمزاً للقيادة والشجاعة والثقة، ولا يُعطى إلا لعشيرة ذات مكانة مرموقة داخل القبيلة.
ورغم شهرة هذه الرواية بين أبناء المنطقة، فإن تفاصيل تسلسل حملة البيرق عبر الأجيال ما تزال محفوظة في الذاكرة الشفوية أكثر من وجودها في الوثائق المكتوبة.
أفخاذ البوخابور
من أشهر الأفخاذ ضمن البوخابور:
- البومعيط.
- البوعمر.
- البوحليحل.
وتتفرع من هذه الأفخاذ أسر كثيرة انتشرت في موحسن والمريعية والبوعمر وخارج سوريا.
المشيخة
أما المشيخة داخل البوخابور فقد كانت تاريخياً موزعة بين بيوتات الوجاهة والعرف العشائري، ولم تكن دائماً محصورة في شخص واحد كما هو الحال في بعض العشائر الأخرى.
العوارف
العارف في المجتمع العشائري هو المرجع في الأعراف والعادات وأحكام الصلح والفصل في الخصومات.
وقد عُرف في البوخابور عدد من العوارف الذين كانت تُرجع إليهم العشائر المجاورة في القضايا العشائرية، إلا أن أسماءهم الكاملة تختلف باختلاف الفترة الزمنية والروايات المحلية، وما زالت كثير من هذه المعلومات محفوظة عند كبار السن.
ثورة البوخابور ضد الفرنسيين (1920)
تُعدّ ثورة البوخابور عام 1920 من أبرز المحطات المشرقة في تاريخ العشيرة، ومن الصفحات الخالدة في سجل المقاومة الوطنية بمنطقة دير الزور. فقد وقف أبناء العشيرة موقفاً حازماً في مواجهة سياسات الاحتلال الفرنسي، رافضين الخضوع لإجراءاته التعسفية ومحاولاته فرض الهيمنة على المنطقة.
في التاسع عشر من تشرين الأول/أكتوبر 1920، اندلعت الثورة بمشاركة عشيرة البوخابور إلى جانب عدد من عشائر العقيدات ومنها عشيرة البكير، وذلك إثر رفضهم دفع الضرائب التي فرضتها سلطات الانتداب الفرنسي. وردًّا على هذا الموقف، أقدمت القوات الفرنسية على اعتقال عدد من وجهاء العشيرة، الأمر الذي فجّر حالة من الغضب وأشعل شرارة المواجهة.
وسرعان ما تحولت الأحداث إلى انتفاضة مسلحة خاض خلالها أبناء البوخابور معركة بطولية عُرفت تاريخياً باسم ثورة البوخابور، حيث أظهروا شجاعة وإقداماً لافتين، وتمكنوا من إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الفرنسية. ولم يقتصر دور العشيرة على الرجال المقاتلين فحسب، بل كان لنساء البوخابور حضور مشرف في دعم الثورة، من خلال نقل المياه والمؤن ومساندة المقاتلين في ظروف المعركة الصعبة.
وانتهت المواجهات بسقوط عدد من القتلى في صفوف القوات الفرنسية وأسر عدد من جنودها، لتغدو هذه الثورة رمزاً للعزة والكرامة، وشاهداً على الدور الوطني الذي أدته عشيرة البوخابور في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضها وحقوقها
البوخابور والثورة السورية
كان لأبناء عشيرة البوخابور حضور بارز ومؤثر في الثورة السورية منذ انطلاقتها عام 2011، حيث شاركوا في المظاهرات السلمية الأولى في دير الزور ودمشق وغيرها ، ثم في مختلف مراحل الحراك الثوري والسياسي والعسكري، مقدمين تضحيات جسيمة في سبيل الحرية والكرامة.
وبرز أبناء العشيرة في العديد من المعارك والملاحم التي شهدتها محافظة دير الزور، وكان لهم دور محوري في ملحمة الرصافة التي تُعد من أبرز محطات المقاومة ضد قوات النظام السوري. كما سجّل أبناء البوخابور إنجازاً عسكرياً لافتاً عندما تمكنوا من إسقاط أول طائرة حربية تابعة للنظام السوري في سماء مدينة موحسن، في حدثٍ شكّل رمزاً لصمود الثوار وإرادتهم في مواجهة آلة الحرب.
وقد دفعت العشيرة ثمناً باهظاً خلال سنوات الثورة، إذ ارتقى ما يقارب خمسة آلاف شهيد وشهيدة من أبنائها، بين مقاتلين ومدنيين، وسجّلوا صفحات من التضحية والفداء في مختلف ساحات المواجهة وعلى امتداد الجغرافيا السورية.
كما قدّمت العشيرة شخصيات أصبحت رموزاً وطنية في ذاكرة السوريين، ومن أبرزهم الشهيد مازن الحمادة الذي تحوّل إلى أحد أشهر الشهود على جرائم الاعتقال والتعذيب في سجون النظام السوري، وكرّس حياته للدفاع عن قضية المعتقلين وكشف الانتهاكات التي تعرّض لها السوريون. وقد عُرف بمواقفه الشجاعة وشهاداته المؤثرة أمام الرأي العام العالمي، قبل أن يُعتقل مجدداً ويُستشهد بعد سنوات من المعاناة. (ويكيبيديا)
ومن رموز العشيرة كذلك الشهيدة رحاب علاوي التي تمثل نموذجاً لدور المرأة السورية في الثورة وما قدمته من تضحيات في سبيل الحرية والعدالة.
لقد شكّلت مشاركة البوخابور في الثورة السورية امتداداً طبيعياً لتاريخها الوطني المقاوم، الذي تجلى سابقًا في مواجهة الاحتلال الفرنسي، لتبقى تضحيات أبنائها جزءًا راسخًا من ذاكرة السوريين.
البوخابور في العصر الحديث
استمرت البوخابور في أداء دورها الاجتماعي داخل العقيدات، وبرز منها ضباط وأطباء ومهندسون وأكاديميون ورجال أعمال وشخصيات عامة. كما حافظت العشيرة على حضورها في المجالس العشائرية ومبادرات الصلح والإصلاح الاجتماعي.
ولا تزال موحسن تُعد المركز التاريخي الأهم للبوخابور، ومنها انطلقت معظم فروع العشيرة المنتشرة اليوم في سوريا والعراق ودول الخليج وأوروبا.
