
أبناء دير الزور في واحدة من أعظم معارك الحرب العالمية الأولى: نحو 300 شهيد في الروايات التاريخية، و62 سجلًا أمكن توثيقها في الأرشيف العسكري التركي
دراسة تاريخية في معركة الدردنيل سنة 1915، والمشاركة العسكرية لأبناء دير الزور، وإشكالية توثيق الشهداء بعد أكثر من قرن
حين يحمل التاريخ أسماء الذين غابوا
ليست الحروب مجرد تواريخ تُدوَّن في الكتب، ولا انتصارات تُخلَّد في ذاكرة الدول، ولا خرائط تتبدل عليها الحدود. إنها، قبل ذلك كله، حكايات بشرية كبرى، تتقاطع فيها مصائر الشعوب مع مصائر الأفراد، وتترك وراءها أجيالًا من الذكريات والأسئلة التي قد تبقى دون إجابة لعشرات السنين. وفي تاريخ محافظة دير الزور، القائمة على ضفاف نهر الفرات، صفحات كثيرة لم تنل نصيبها الكافي من البحث والتوثيق، رغم ما تحمله من شواهد على حضور أبنائها في أحداث تجاوزت حدود بلاد الشام ووصلت إلى ميادين الصراع العالمي. ومن بين هذه الصفحات تبرز قصة أبناء دير الزور الذين خدموا في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى، وارتبطت سجلات عدد منهم بمعركة جناق قلعة، إحدى أشهر المعارك العسكرية في التاريخ الحديث.
ففي عام 1915، وعلى مسافة بعيدة من سهول الفرات وبلداته، كانت الدولة العثمانية تخوض معركة مصيرية للدفاع عن مضيق الدردنيل، في مواجهة حملة عسكرية واسعة قادتها بريطانيا وفرنسا بمشاركة قوات من أستراليا ونيوزيلندا وأقاليم أخرى. كانت تلك المواجهة من أعنف حملات الحرب العالمية الأولى، وقد تحولت فيها الشواطئ والمرتفعات إلى ساحات قتال طويلة، وسقط خلالها عشرات الآلاف من القتلى من مختلف الأطراف. وفي خضم هذه الأحداث، تظهر دير الزور في السجلات العسكرية التركية بوصفها موطنًا لأشخاص أُدرجوا ضمن شهداء جبهة جناق قلعة. وتشير رواية تاريخية متداولة، أُبلغنا بها في سياق إعداد هذه الدراسة، إلى أن نحو 300 من أبناء دير الزور فقدوا حياتهم في معركة جناق قلعة. غير أن هذا التقدير لم يتوافر له حتى الآن مرجع محدد يمكن التحقق منه بصورة مستقلة. وفي المقابل، أمكن تحديد 62 سجلًا مرتبطًا بدير الزور ومصنفًا ضمن جبهة جناق قلعة في القوائم المنشورة ببوابة معلومات الشهداء التابعة لوزارة الدفاع الوطني التركية. وهنا تنشأ مسألة تاريخية تستحق البحث: ما العلاقة بين العدد المتداول، البالغ نحو ثلاثمائة، وبين السجلات الاثنين والستين التي أمكن حصرها؟ وهل يمثل العدد الأصغر جزءًا من حصيلة أكبر لم تصل إلينا وثائقها كاملة، أم أن الاختلاف ناجم عن تباين نطاق الإحصاء ومصادره؟
إن الإجابة العلمية عن هذه الأسئلة لا تتحقق بترديد الأرقام وحدها، بل بالعودة إلى الوثائق ومقارنتها وتحليل سياقها التاريخي.
ومن هنا تنطلق هذه الدراسة، محاولةً الجمع بين تاريخ معركة جناق قلعة، وحضور أبناء دير الزور في سجلاتها، والمسؤولية العلمية والأخلاقية في حفظ ذكرى من فقدوا حياتهم.
الفصل الأول: جناق قلعة… المضيق الذي أصبح مفتاحًا للحرب
تقع مدينة جناق قلعة، المعروفة بالتركية باسم Çanakkale، في شمال غربي تركيا، على الساحل الآسيوي لمضيق الدردنيل. ويُعد هذا المضيق واحدًا من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط بحر إيجة ببحر مرمرة، الذي يتصل بدوره بالبحر الأسود عبر مضيق البوسفور. ولم تكن أهمية الدردنيل وليدة الحرب العالمية الأولى، بل ارتبطت بجغرافيته منذ العصور القديمة، عندما أدركت الإمبراطوريات المتعاقبة أن التحكم في المضائق يعني امتلاك قدرة كبيرة على التأثير في حركة التجارة والأساطيل. وعلى مقربة من المنطقة تقع آثار مدينة طروادة الشهيرة، التي ارتبط اسمها بإحدى أبرز الحكايات الحربية في التراث القديم. لكن جناق قلعة دخلت التاريخ الحديث من أوسع أبوابه عندما أصبحت، في عام 1915، مسرحًا لمحاولة عسكرية كبرى هدفت إلى اختراق الدفاعات العثمانية والوصول إلى إسطنبول. ولفهم طبيعة المعركة، لا بد من التمييز بين ثلاثة مصطلحات تاريخية متقاربة.
فاسم جناق قلعة يشير إلى المدينة والمنطقة التي ارتبطت بها المعركة في الذاكرة التركية. أما الدردنيل فهو اسم المضيق البحري الذي حاول الحلفاء السيطرة عليه. بينما تشير جاليبولي أو غاليبولي إلى شبه الجزيرة الواقعة على الجانب الأوروبي من المضيق، والتي شهدت معظم العمليات البرية. ولهذا تُعرف الحملة في المراجع العالمية بأسماء متعددة، منها حملة الدردنيل وحملة جاليبولي ومعركة جناق قلعة. وقد أصبحت هذه المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى نقطة التقاء بين الجغرافيا العسكرية والطموحات السياسية للقوى الكبرى.
الفصل الثاني: لماذا أرادت بريطانيا وفرنسا السيطرة على الدردنيل؟
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914، انقسمت القوى الأوروبية إلى تحالفات عسكرية متصارعة. وكانت الدولة العثمانية قد دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا والمجر، في مواجهة بريطانيا وفرنسا وروسيا وحلفائها.وقد أدى دخول العثمانيين الحرب إلى تعقيد الموقف الاستراتيجي لدول الوفاق، خصوصًا أن الدولة العثمانية كانت تسيطر على المضائق البحرية التي تصل البحر المتوسط بالبحر الأسود. وكانت روسيا بحاجة إلى طرق آمنة للحصول على الأسلحة والإمدادات من حلفائها. ومن هنا ظهرت لدى القيادة البريطانية فكرة شن هجوم بحري على الدردنيل. لم يكن الهدف مجرد احتلال موقع ساحلي محدود، بل تحقيق نتائج استراتيجية واسعة. فإذا نجح الحلفاء في عبور المضيق، فقد يصبح الطريق إلى إسطنبول مفتوحًا أمام أساطيلهم، وقد تتعرض الدولة العثمانية لضغط عسكري وسياسي يدفعها إلى الانسحاب من الحرب. كما كان فتح الطريق البحري إلى روسيا سيمنح دول الوفاق منفذًا مهمًا لنقل الإمدادات. غير أن المخططين العسكريين قللوا من صعوبة اختراق الدفاعات العثمانية، ومن قدرة القوات المدافعة على الاستفادة من طبيعة المضيق الضيقة وتحصيناته الساحلية. وهكذا بدأت حملة كان يُؤمَل أن تكون قصيرة، لكنها تحولت إلى واحدة من أطول المواجهات وأكثرها كلفة في تلك المرحلة من الحرب.
الفصل الثالث: الثامن عشر من مارس 1915… اليوم الذي فشل فيه الأسطول
بدأت العمليات البحرية للحلفاء ضد دفاعات الدردنيل في فبراير 1915. وشملت المرحلة الأولى قصف التحصينات الساحلية العثمانية ومحاولة إضعاف المدفعية التي تحمي المضيق. وفي الثامن عشر من مارس 1915، شنت القوات البحرية البريطانية والفرنسية هجومًا واسعًا بهدف اختراق المضيق وفتح الطريق أمام الأسطول. شاركت في الهجوم بوارج حربية ضخمة، لكن الدفاعات العثمانية كانت قد أعدت مواقع مدفعية وحقول ألغام بحرية جعلت التقدم محفوفًا بالمخاطر. وخلال المعركة، تعرضت السفن المهاجمة لخسائر كبيرة. فقد غرقت ثلاث بوارج، وأصيبت سفن أخرى بأضرار جسيمة، ما أدى إلى فشل محاولة العبور البحري. وكان للألغام التي زرعتها القوات العثمانية دور حاسم في هذه النتيجة. وأصبحت سفينة زرع الألغام نصرت (Nusret) رمزًا بارزًا في الذاكرة التركية، بسبب دورها في تجهيز بعض حقول الألغام التي واجهها الأسطول المهاجم. وقد مثّل الثامن عشر من مارس انتصارًا دفاعيًا مهمًا للدولة العثمانية. لكن ذلك الانتصار لم يكن نهاية المعركة. فبعد فشل الهجوم البحري، قرر الحلفاء الانتقال إلى خطة جديدة تقوم على إنزال قوات برية في شبه جزيرة جاليبولي، للسيطرة على المواقع المرتفعة والتحصينات التي تمنع الأسطول من عبور المضيق. وهكذا انتقلت الحرب من البحر إلى اليابسة، وبدأت مرحلة أشد قسوة.
الفصل الرابع: الخامس والعشرون من أبريل… بداية الحرب البرية
في فجر الخامس والعشرين من أبريل 1915، بدأت عمليات الإنزال الرئيسية لقوات الحلفاء على شبه جزيرة جاليبولي. نزلت القوات البريطانية في منطقة رأس هلس، بينما وصلت القوات الأسترالية والنيوزيلندية إلى المنطقة التي أصبحت تُعرف لاحقًا باسم خليج أنزاك. كما شاركت القوات الفرنسية في الحملة، بما فيها عمليات إنزال على الجانب الآسيوي من المضيق. وكانت القيادة العسكرية للحلفاء تأمل أن تتمكن القوات البرية من السيطرة على المرتفعات والمواقع الدفاعية، تمهيدًا لفتح الطريق أمام الأسطول البحري. لكن الواقع العسكري جاء مختلفًا. فقد واجه المهاجمون مقاومة عثمانية عنيفة، واستفاد المدافعون من التضاريس الوعرة والمرتفعات المشرفة على الشواطئ. وتحولت الحملة سريعًا إلى حرب خنادق واستنزاف. كانت المسافات التي تفصل المواقع المتقابلة قصيرة في بعض القطاعات، لكن التقدم فيها كان يكلف أعدادًا كبيرة من الضحايا. واستمرت المواجهات شهورًا طويلة، تخللتها هجمات متكررة وقصف مدفعي ومعارك للسيطرة على التلال والخنادق. ومن أبرز مناطق القتال أري بورنو، وكانلي سيرت، وتشونوك باير، وساري باير، ورأس هلس، وخليج سوفلا. ولم تكن الخسائر البشرية نتيجة المواجهات المسلحة وحدها؛ فقد عانى الجنود أيضًا من الأمراض والظروف الصحية الصعبة والإرهاق ونقص المياه. وأصبحت المستشفيات الميدانية ومراكز إخلاء الجرحى جزءًا أساسيًا من تاريخ الحملة. وفي هذه البيئة العسكرية القاسية، خدم جنود قدموا من مناطق متعددة من الدولة العثمانية، بينها مناطق عربية بعيدة عن ساحة القتال. ومن بين تلك المناطق دير الزور.
الفصل الخامس: دير الزور في ظل الدولة العثمانية
كانت دير الزور في مطلع القرن العشرين مركزًا إداريًا مهمًا على نهر الفرات، وموقعًا يربط مناطق بلاد الشام بالعراق والجزيرة الفراتية. وقد اكتسبت المنطقة أهميتها من موقعها الجغرافي، ومن شبكة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي ربطت مدن الفرات وبلداته وقراه. وكانت دير الزور جزءًا من النظام الإداري والعسكري للدولة العثمانية، التي شهدت خلال العقود الأخيرة من وجودها تحولات سياسية وعسكرية كبيرة. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، اتسعت عمليات التعبئة العسكرية، وأصبحت مناطق الدولة المختلفة مصدرًا للقوى البشرية التي تحتاجها الجبهات. وكان انتقال الجنود من مناطقهم الأصلية إلى ميادين القتال البعيدة إحدى السمات الأساسية للحرب. وبالنسبة إلى دير الزور، تكشف السجلات العسكرية التركية عن وجود أشخاص نُسبوا إلى المنطقة وسُجلوا ضمن خسائر الجيش العثماني في جبهة جناق قلعة. وهذه الحقيقة ذات أهمية خاصة؛ لأنها تربط تاريخ المدينة المحلي بحدث عالمي كبير. لكنها لا تسمح، في الوقت نفسه، بافتراض أن جميع هؤلاء الرجال خدموا في وحدة عسكرية واحدة، أو أنهم وصلوا إلى الجبهة في وقت واحد. كما لا تسمح بتحديد ظروف تجنيد كل شخص أو دوافع التحاقه بالجيش. فالسجل العسكري المختصر يقدم معلومات محددة، لكنه لا يروي السيرة الكاملة لصاحبه. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الحقيقة الأرشيفية والتفسير التاريخي.
الفصل السادس: ثلاثمائة شهيد من دير الزور… بين الرواية التاريخية والتوثيق
تُعد مسألة عدد أبناء دير الزور الذين فقدوا حياتهم في معركة جناق قلعة من أهم القضايا التي تحتاج إلى دراسة أرشيفية مستقلة. فبحسب التقدير التاريخي الذي جرى تداوله في سياق إعداد هذه المادة، بلغ عددهم نحو ثلاثمائة شهيد. لكن هذا الرقم، على أهميته المحتملة، يحتاج إلى إسناد واضح. فلم يتوافر لهذه الدراسة كتاب أو وثيقة أو سجل مستقل يحدد مصدر الرقم وطريقة احتسابه. ولذلك لا يمكن تقديمه بوصفه حصيلة نهائية مؤكدة. أما البيانات التي أمكن حصرها من القوائم التركية المتاحة، فتشير إلى وجود 62 سجلًا مرتبطًا بدير الزور ومصنفًا ضمن جبهة جناق قلعة. وهذا يعني أن هناك فرقًا بين التقدير المتداول وبين عدد السجلات التي أمكن تحديدها في المادة الأرشيفية المتاحة. وإذا افترضنا، لأغراض المقارنة فقط، صحة التقدير البالغ ثلاثمائة شخص، فإن السجلات الاثنين والستين تمثل نحو 20.7% من ذلك العدد. أما البقية، وعددها الحسابي 238 شخصًا، فلا تتوافر لدينا حاليًا سجلات محددة تثبت هوياتهم ضمن المادة التي استندت إليها هذه الدراسة. ولا يجوز تحويل هذا الفرق الحسابي إلى قائمة بأشخاص مجهولين يُقال إنهم موثقون، كما لا يجوز اعتباره دليلًا على أن السجلات المفقودة موجودة بالفعل. فالفرق بين رقمين لا يثبت وحده وجود وثائق لم نعثر عليها. ومن الممكن أن يكون اختلاف الأرقام مرتبطًا بتباين نطاق البحث أو التسميات الإدارية أو مصادر الإحصاء. وقد تكون بعض السجلات غير متاحة في القاعدة المنشورة، أو تكون أسماء بعض المناطق قد سُجلت بصيغ مختلفة. لكن هذه كلها احتمالات تحتاج إلى إثبات. وعليه، فإن الصياغة العلمية الأدق هي:
تشير رواية تاريخية متداولة إلى أن عدد شهداء دير الزور في معركة جناق قلعة بلغ نحو 300 شهيد، بينما أمكن حصر 62 سجلًا مرتبطًا بدير الزور ضمن جبهة جناق قلعة في القوائم التركية المتاحة. ولا يزال التقدير الأكبر بحاجة إلى مصدر مستقل يؤكده.
هذه الصياغة لا تنتقص من أهمية الرواية التاريخية، بل تضعها في موضعها الصحيح ضمن البحث. فالأمانة العلمية لا تعني رفض الروايات المحلية، وإنما تعني التمييز بينها وبين المعلومات التي أمكن التحقق منها بالوثائق.
الفصل السابع: الاثنان والستون سجلًا… ماذا نعرف عن أصحابها؟
تكتسب السجلات المرتبطة بدير الزور أهميتها من كونها جزءًا من قاعدة بيانات عسكرية رسمية منشورة في تركيا. وتتضمن القوائم معلومات عن مكان المنشأ وسنة الميلاد والجبهة العسكرية، إضافة إلى أسماء مدونة في خانة اسم الأب. لكن ينبغي التنبيه إلى أن الأسماء الظاهرة في الجداول المختصرة التي استندت إليها هذه الدراسة وردت ضمن خانة اسم الأب، بينما خانة اسم الشخص نفسه فارغة. وهذه مسألة جوهرية في أي محاولة لتوثيق الهويات. فمن غير الصحيح أن نعتبر اسم الأب هو اسم الشهيد، أو أن ننشئ أسماء مركبة من دون سند. ومن بين أسماء الآباء الواردة في السجلات المرتبطة بجبهة جناق قلعة: أرسلان، والحول عوض، وراوي، وفرنوش، والحاج صالح، وكانوش، وعثمان، والحاج أحمد، وسميز، وعطية، وخلف، وحسين، ومحمد، وجابر، ومراد، وكنان، وحمود زيدان، والحاج سليمان، وحسين الحداد، والحاج عقاب، وغيرها. وتتكرر بعض الأسماء في أكثر من سجل. ولا يعني هذا التكرار بالضرورة أن السجلات مكررة، لأن الاسم الواحد قد يحمله أشخاص مختلفون. كما أن بعض الصيغ العربية المقترحة للأسماء تحتاج إلى مراجعة لغوية وتاريخية، نظرًا إلى احتمال تغير نطقها عند نقلها إلى الحروف التركية. وتبرز هنا أهمية الاحتفاظ بالصيغة التركية الأصلية عند إعداد أي فهرس توثيقي. ومن الضروري كذلك مطابقة كل اسم بسنة الميلاد ومكان المنشأ وأي معرف أرشيفي متاح. فالتوثيق الدقيق لا يقوم على الاسم وحده، بل على مجموعة من القرائن المتكاملة.
الفصل الثامن: أبناء الفرات في ميادين جاليبولي
حين نتأمل وجود سجلات من دير الزور ضمن جبهة جناق قلعة، فإننا أمام صلة تاريخية بين منطقتين تفصل بينهما مسافة جغرافية كبيرة. فدير الزور محافظة نهرية في شرقي سوريا، بينما تقع جناق قلعة على المضائق البحرية في شمال غربي تركيا. لكن الحرب العالمية الأولى جعلت المسافات الطويلة جزءًا من التجربة اليومية للجيوش. وكان انتقال العسكريين من مناطقهم الأصلية إلى الجبهات البعيدة من السمات الأساسية للعمليات العسكرية في تلك الحقبة. ومن المرجح أن أصحاب السجلات المرتبطة بدير الزور مروا بتجارب انتقال وخدمة عسكرية شبيهة بما عرفه غيرهم من الجنود العثمانيين. غير أن الوثائق المتاحة لا تسمح بتحديد مساراتهم الفردية أو الظروف الدقيقة لوصولهم إلى الجبهة. ولا يمكن كذلك إثبات أنهم شاركوا جميعًا في المعارك نفسها. فحملة جناق قلعة امتدت شهورًا طويلة، وشهدت عمليات متعاقبة في مواقع مختلفة. وقد خدم الجنود خلالها في وحدات ومواقع متعددة، كما أن بعض الوفيات العسكرية حدثت في مرافق علاجية بعيدًا عن مواقع الاشتباك المباشر. ولهذا فإن إدراج شخص ضمن جبهة جناق قلعة لا يكفي وحده لتحديد المعركة الجزئية التي شارك فيها أو مكان وفاته الدقيق. لكن ما تثبته السجلات هو وجود ارتباط عسكري موثق بين دير الزور وجبهة الدردنيل. وهذا الارتباط يستحق دراسة أوسع في تاريخ المشاركة العسكرية لأبناء المناطق العربية خلال الحرب العالمية الأولى.
الفصل التاسع: المعركة التي صنعت ذاكرة دولية
لم تكن جناق قلعة معركة عسكرية عابرة. فقد أصبحت لاحقًا حدثًا مركزيًا في الذاكرة الوطنية لعدد من الدول المشاركة فيها. في تركيا، تُستذكر المعركة بوصفها نجاحًا دفاعيًا كبيرًا للقوات العثمانية، ويُحيى يوم الثامن عشر من مارس من كل عام تخليدًا لذكرى الانتصار البحري والشهداء. وفي أستراليا ونيوزيلندا، اكتسب يوم الخامس والعشرين من أبريل مكانة خاصة بوصفه ذكرى إنزال قوات الأنزاك، وأصبح مناسبة وطنية لتذكر من خدموا وفقدوا حياتهم في الحروب. وقد برز خلال المعارك البرية عدد من القادة العثمانيين، ومن بينهم مصطفى كمال، الذي أدى دورًا مهمًا في الدفاع عن قطاعات استراتيجية، وأصبح لاحقًا مؤسس الجمهورية التركية. لكن الاقتصار على القادة الكبار يترك جانبًا واسعًا من التاريخ خارج دائرة الضوء. فالجيوش لم تكن تتكون من القادة وحدهم، بل من مئات الآلاف من الجنود الذين قدموا من مدن وقرى ومناطق متعددة. وكان بين هؤلاء أفراد من الأقاليم العربية التابعة للدولة العثمانية. ومن هنا تبرز أهمية السجلات المحلية المرتبطة بدير الزور. فهي تساعد على توسيع زاوية النظر إلى المعركة، بحيث لا تبقى حكاية مواجهة بين الدول الكبرى وحدها، بل تصبح أيضًا جزءًا من تاريخ المجتمعات التي أرسلت أبناءها إلى ميادين القتال.
الفصل العاشر: الخسائر البشرية… الثمن الذي دفعته الجيوش
كانت حملة جناق قلعة من أكثر العمليات العسكرية كلفة في الحرب العالمية الأولى. وتختلف تقديرات الخسائر بحسب المصادر وطريقة احتساب القتلى والجرحى والمرضى والمفقودين. وتشير تقديرات تاريخية منشورة إلى أن الوفيات في صفوف القوات العثمانية خلال الحملة تراوحت بين نحو 66 ألفًا و86,700 شخص. أما إجمالي الخسائر العسكرية، بما فيها الجرحى والمرضى، فقد كان أكبر بكثير. كما تكبدت قوات الحلفاء خسائر بشرية جسيمة. ويجب هنا التمييز بين عدد القتلى وإجمالي الخسائر؛ لأن الخلط بينهما يؤدي إلى تضخيم الأرقام أو تقديمها بصورة غير دقيقة. وفي هذا السياق، فإن الحديث عن نحو ثلاثمائة شهيد من دير الزور، أو عن اثنين وستين سجلًا موثقًا، يتعلق بفئة محلية محددة داخل الخسائر العثمانية الأوسع. ولا يمكن استخراج النسبة الدقيقة لمساهمة دير الزور البشرية في الحملة دون معرفة عدد المشاركين من المنطقة، وليس عدد الوفيات المسجلة فقط. فعدد القتلى لا يكشف وحده حجم القوة البشرية التي شاركت. وهذا أحد الأسئلة التي ينبغي أن تتناولها الأبحاث المستقبلية.
الفصل الحادي عشر: نهاية المعركة وانسحاب الحلفاء
مع اقتراب نهاية عام 1915، أصبحت فرص الحلفاء في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية محدودة. فقد فشلت محاولات الاختراق الكبرى، واستمرت المقاومة العثمانية، بينما ازدادت صعوبة الظروف المعيشية والعسكرية للقوات المهاجمة. وفي أواخر العام، اتخذت القيادة البريطانية قرار الانسحاب من شبه جزيرة جاليبولي. بدأ إخلاء بعض القطاعات في ديسمبر 1915، واكتمل الانسحاب من آخر المواقع الرئيسية في التاسع من يناير 1916. وبذلك انتهت حملة جناق قلعة بفشل الحلفاء في السيطرة على مضيق الدردنيل والوصول إلى إسطنبول عبره. وكانت النتيجة نجاحًا دفاعيًا مهمًا للدولة العثمانية. غير أن هذا الانتصار لم ينهِ الحرب العالمية الأولى، التي استمرت حتى عام 1918. وبعد انتهاء الحرب، دخلت المنطقة بأكملها مرحلة جديدة من التحولات السياسية الكبرى. أما جناق قلعة فقد بقيت حاضرة في الذاكرة التاريخية، بوصفها إحدى أبرز معارك تلك الحقبة.
الفصل الثاني عشر: لماذا لم تُحفظ جميع الأسماء؟
إن السؤال عن الفارق بين العدد المتداول، البالغ نحو ثلاثمائة شهيد، وبين السجلات الاثنين والستين التي أمكن حصرها، يفتح بابًا مهمًا للبحث في طبيعة الأرشيف العسكري. فالسجلات التاريخية لا تصل إلينا دائمًا مكتملة. وقد تتعرض الوثائق للفقد أو التلف، أو تُحفظ ضمن مجموعات مختلفة، أو تُفهرس بأسماء جغرافية وإدارية لا تتطابق مع التسميات المستخدمة اليوم. كما أن اختلاف طرق كتابة الأسماء قد يجعل العثور على الشخص نفسه أكثر صعوبة. لكن وجود هذه الاحتمالات لا يعني أنها تفسر بالضرورة الفارق العددي في حالة دير الزور. فإثبات ذلك يحتاج إلى دراسة مستقلة تشمل دفاتر الوحدات العسكرية، وسجلات الوفيات، والمراسلات الإدارية، وقوائم التجنيد، وأي مصادر محلية متاحة. ومن المهم كذلك معرفة المرجع الذي أورد رقم ثلاثمائة. فإذا كان الرقم واردًا في كتاب تاريخي أو وثيقة أرشيفية أو دراسة أكاديمية، فإن تحديد عنوان المصدر ومؤلفه وتاريخ نشره والصفحة المعنية سيكون خطوة أساسية في التحقق منه. أما إذا كان الرقم متداولًا في الروايات المحلية، فينبغي توثيق طبيعة هذه الروايات ومقارنتها بالمصادر المكتوبة. إن الفرق بين الذاكرة والوثيقة لا يعني أن إحداهما بلا قيمة. فالذاكرة قد تحفظ ما غاب عن السجلات، والوثيقة قد تصحح ما تغير في الرواية بمرور الزمن. لكن الوصول إلى معرفة تاريخية موثوقة يتطلب الجمع بينهما دون الخلط بين مستوياتهما.
الفصل الثالث عشر: من المسؤول عن حفظ ذاكرة شهداء دير الزور؟
إن توثيق أبناء دير الزور الذين وردوا في سجلات جناق قلعة ليس مهمة جهة واحدة. فهو مشروع يمكن أن يشارك فيه المؤرخون والباحثون وأبناء العائلات والمهتمون بتاريخ المنطقة. وتتمثل الخطوة الأولى في إنشاء فهرس دقيق للسجلات الاثنين والستين، مع الاحتفاظ بالكتابة التركية الأصلية لكل اسم، وسنة الميلاد، ومكان المنشأ، والجبهة العسكرية. ثم تأتي مرحلة البحث عن الوثائق المكملة. وقد تشمل هذه المرحلة سجلات النفوس العثمانية، والوثائق العائلية، والمراسلات القديمة، وسجلات الوحدات العسكرية، ووثائق الدفن إن كانت متاحة. ومن الضروري أيضًا جمع الروايات الشفوية المتعلقة بأفراد العائلات الذين غادروا خلال الحرب العالمية الأولى ولم يعودوا. لكن ينبغي التعامل مع هذه الروايات بوصفها مصادر تحتاج إلى المقارنة والتحقق، لا باعتبارها إثباتًا نهائيًا للهوية. وقد تسهم هذه الجهود مستقبلًا في الكشف عن أسماء إضافية، أو في تصحيح كتابة أسماء وردت في الوثائق التركية بصورة مختلفة عن أصولها العربية. وربما تساعد أيضًا على تحديد بعض الروابط العائلية التي انقطعت أخبارها منذ أكثر من قرن. إن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن في الوصول إلى رقم كبير فحسب، بل في بناء سجل تاريخي يمكن الوثوق به.
الفصل الرابع عشر: بين البطولة والمأساة… كيف نقرأ جناق قلعة اليوم؟
احتلت معركة جناق قلعة مكانة بارزة في التاريخ العسكري بسبب نجاح القوات العثمانية في منع الحلفاء من اختراق الدردنيل. لكن القراءة التاريخية الشاملة لا ينبغي أن تتوقف عند نتيجة المعركة. فوراء الانتصارات والهزائم كانت هناك خسائر بشرية هائلة، وأسر فقدت أبناءها، ومجتمعات تأثرت بسنوات الحرب. ومن المهم أن نقرأ مشاركة أبناء دير الزور في هذا السياق الإنساني الواسع. فوجودهم في سجلات الجيش العثماني لا يعني بالضرورة معرفة مواقفهم السياسية أو دوافع خدمتهم العسكرية. كما أن توثيق وفاتهم لا يستلزم تبني جميع السياسات التي اتبعتها الدولة العثمانية خلال الحرب. إن استعادة أسمائهم تعني الاعتراف بأنهم كانوا جزءًا من تاريخ المنطقة، وأن مصائرهم ارتبطت بأحداث كبرى تجاوزت حدود موطنهم. والكتابة التاريخية الرصينة لا تختزل الماضي في تمجيد غير مشروط، ولا في إدانة عامة تتجاهل حياة الأفراد. بل تسعى إلى فهم الأحداث ضمن ظروفها، وإعطاء كل إنسان مكانه في الذاكرة. ومن هذا المنطلق، فإن دراسة شهداء دير الزور في جناق قلعة هي دراسة في التاريخ العسكري والاجتماعي والإنساني معًا.
الفصل الخامس عشر: ما الذي نحتاج إليه لإثبات رقم ثلاثمائة؟
إذا أردنا أن نصل إلى دراسة تاريخية نهائية تؤكد أن عدد شهداء دير الزور في جناق قلعة بلغ ثلاثمائة شخص، فإن ذلك يتطلب أدلة إضافية. وأهم هذه الأدلة مصدر واضح يذكر الرقم ويحدد نطاقه. فلا بد من معرفة ما إذا كان العدد يشمل أبناء مدينة دير الزور وحدها، أم أبناء المنطقة الإدارية الأوسع. كما ينبغي التحقق مما إذا كان يشمل القتلى فقط، أم جميع الخسائر العسكرية، بما فيها المفقودون أو من توفوا متأثرين بإصاباتهم لاحقًا. ويجب أيضًا معرفة ما إذا كان الرقم مستخرجًا من سجلات عثمانية أصلية، أم من دراسة تاريخية حديثة، أم من روايات محلية. وبعد ذلك يمكن مقارنة هذا المصدر بالسجلات الاثنين والستين المتاحة. وقد تؤدي هذه المقارنة إلى تأكيد الرقم أو تعديله أو تفسير الاختلاف بين المصادر. أما قبل استكمال هذا العمل، فينبغي الحفاظ على التمييز بين التقدير المتداول والحصيلة الأرشيفية المحددة. فالدراسة العلمية لا تفقد قيمتها عندما تعترف بما لم يُحسم بعد؛ بل تزداد قوة لأنها تضع أسئلة البحث في مواضعها الصحيحة.
من الفرات إلى الدردنيل ذاكرة تنتظر اكتمالها
بين دير الزور وجناق قلعة مسافة طويلة في الجغرافيا، لكنها مسافة تختصرها الوثائق حين تجمع بين اسم المكان واسم الجبهة العسكرية. ففي عام 1915، كانت الدولة العثمانية تخوض عند مضيق الدردنيل واحدة من أعنف معارك الحرب العالمية الأولى. وكانت القوات التي شاركت في الدفاع عن المضيق تضم أفرادًا قدموا من مناطق مختلفة من الدولة، بينها المناطق العربية. وقد حفظت القوائم العسكرية التركية سجلات مرتبطة بدير الزور ضمن جبهة جناق قلعة. وتشير رواية تاريخية متداولة إلى أن عدد من فقدوا حياتهم من أبناء دير الزور في تلك المعركة بلغ نحو ثلاثمائة شخص. لكن ما أمكن تحديده في القوائم المتاحة لهذه الدراسة هو اثنان وستون سجلًا، بينما لا يزال الرقم الأكبر بحاجة إلى مرجع مستقل يؤكده. وهذا الاختلاف لا ينبغي أن يكون سببًا لإهمال الموضوع، بل دافعًا إلى مواصلة البحث. فقد تكشف الوثائق المستقبلية معلومات إضافية عن أصحاب السجلات، وقد تساعد على معرفة أسمائهم الشخصية وأماكن خدمتهم ووفاتهم. وربما تحمل بعض العائلات في دير الزور وثائق أو روايات قديمة يمكن أن تسهم في استكمال هذه الصورة التاريخية. لكن إلى أن يحدث ذلك، تبقى المسؤولية الأولى هي حفظ ما ثبت، والتمييز بينه وبين ما لم يثبت بعد. إن أعظم وفاء لمن فقدوا حياتهم في الحروب ليس في تضخيم الأرقام أو اختراع السير، وإنما في صون الحقيقة، واحترام الذاكرة، وإعطاء الوثائق حقها من الدراسة. فالأسماء التي بقيت في السجلات ليست مجرد آثار إدارية من زمن مضى؛ إنها شواهد على بشر عاشوا في عالم مختلف، ثم وجدت حياتهم طريقها إلى صفحات التاريخ العسكري.
ومن ضفاف الفرات إلى مضيق الدردنيل، تبقى قصة أبناء دير الزور في جناق قلعة فصلًا يستحق أن يُكتب بعناية، وأن يُقرأ بإنصاف، وأن يُحفظ للأجيال القادمة.
رحم الله من فقدوا حياتهم، وحفظ ذكرى جميع ضحايا الحروب.
المصادر والمراجع
أولًا: المصدر الأرشيفي الأساسي
وزارة الدفاع الوطني التركية، بوابة معلومات الشهداء Şehit Bilgi Kapısı، القوائم المنشورة باسم DEYRİZOR، مع الاقتصار في هذه الدراسة على السجلات المصنفة ضمن جبهة ÇANAKKALE.
ثانيًا: المراجع التاريخية العامة
المتحف الوطني للجيش البريطاني، دراسة حملة جاليبولي، وتتضمن خلفية العمليات العسكرية وأهداف الحلفاء وأسباب فشل الحملة.
المتحف الحربي الأسترالي، المواد التاريخية الخاصة بحملة جاليبولي سنة 1915.
البوابة الأسترالية لتاريخ الأنزاك، وتشمل التسلسل الزمني للحملة وتقديرات الخسائر العسكرية.
وزارة الثقافة والتراث النيوزيلندية، الإحصاءات التاريخية المتعلقة بخسائر جاليبولي.
ثالثًا: ملاحظة بشأن تقدير الثلاثمائة شهيد
ورد رقم 300 شهيد من أبناء دير الزور بناءً على الرواية التاريخية التي طُرحت عند إعداد هذا المقال. ولم يتوافر حتى الآن مرجع محدد يمكن الاستناد إليه لإثباته بصورة مستقلة؛ ولذلك استُخدم باعتباره تقديرًا يحتاج إلى تحقيق، لا عددًا نهائيًا موثقًا.
رابعًا: حدود التوثيق
العدد 62 يمثل السجلات المرتبطة بدير الزور والمصنفة ضمن جبهة جناق قلعة في القوائم المتاحة، ولا يُعد بالضرورة الحصيلة النهائية لجميع أبناء المنطقة الذين فقدوا حياتهم خلال الحملة.
الوصف التعريفي للمقال:
دراسة تاريخية شاملة عن معركة جناق قلعة سنة 1915 ومشاركة أبناء دير الزور فيها، مع تحليل الرواية التي تشير إلى نحو 300 شهيد، وتوثيق 62 سجلًا في الأرشيف العسكري التركي.
مراجع تاريخية: المتحف الوطني للجيش البريطاني – حملة جاليبولي، والمتحف الحربي الأسترالي – جاليبولي 1915، والبوابة الأسترالية للأنزاك – التسلسل التاريخي للمعركة، ووزارة الثقافة والتراث النيوزيلندية – خسائر جاليبولي. وتؤكد هذه المراجع الإطار العسكري العام للحملة، لكنها لا تثبت رقم 300 الخاص بدير الزور
